الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الهداية لأمر التوحيد ومعرفة الله . ولا مانع من جمع هذين المعنيين . وذكرت الموهبة الثالثة - وهي موهبة نزول المطر ، وإحياء الأراضي الميتة - في الآية التالية : والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون من قبوركم يوم البعث . إن التعبير بكلمة " قدر " إشارة لطيفة إلى النظام الخاص الذي يحكم نزول الأمطار ، حيث أنها تنزل بمقدار كاف يكون مفيدا ومثمرا ، ولا يؤدي إلى الخسارة والإتلاف . صحيح أنه قد يؤدي بعض الأحيان إلى حدوث فيضانات ، وجريان سيول ، وتدمير الأراضي ، إلا أن هذه الحالات استثنائية ، ولها صبغة التحذير ، فالأعم الأغلب من الأمطار مفيدة ومربحة ، فنمو كل الأشجار والنباتات والأزهار والمزارع المثمرة ، من بركة نزول المطر الموزون هذا ، ولو لم يكن لنزول المطر نظام ، لما حصلت كل هذه البركات . الآية الثانية تستخدم جملة " أنشرنا " - من مادة النشور - لتجسيد انبعاث عالم النباتات ، فإن الأراضي اليابسة التي تضم بذور النباتات كما تضم القبور أجساد الموتى ، تتحرك وتحيا بنفخة صور نزول المطر ، وتهتز فتخرج أموات النبات رؤوسها من التراب ، ويقوم محشرها وتقع قيامتها التي تمثل صورة لقيامة البشر ، والتي أشير إليها في نهاية هذه الآية وفي آيات عديدة أخرى من القرآن المجيد . وبعد ذكر نزول المطر وحياة النباتات ، يشير في المرحلة الرابعة إلى خلق أنواع الحيوانات ، فيقول سبحانه : والذي خلق الأزواج كلها . إن التعبير ب " الأزواج " كناية عن أنواع الحيوانات بقرينة ذكر النباتات في الآية السابقة ، بالرغم من أن البعض اعتبرها إشارة إلى كل أنواع الموجودات ، سواء الحيوان والنبات والجماد ، لأن قانون الزوجية يحكمها جميعا ، فلكل جنس ما يخالفه : السماء والأرض ، الليل والنهار ، النور والظلام ، المر والحلو ، اليابس